الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
240
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
و في الحديث « ويل للأعقاب من النّار » والمراد منه جهة الأعقاب أي الوراء . وقوله : وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً أي شيئا من الضر ، ولو قليلا ، لأنّ الارتداد عن الدّين إبطال لما فيه صلاح النّاس ، فالمرتدّ يضرّ بنفسه وبالنّاس ، ولا يضرّ اللّه شيئا ، ولكن الشاكر الثّابت على الإيمان يجازي بالشكر لأنّه سعى في صلاح نفسه وصلاح النّاس ، واللّه يحبّ الصلاح ولا يحبّ الفساد . والمقصود من الآية العتاب على ما وقع من الاضطراب ، والثناء على الّذين ثبتوا ووعظوا النّاس ، والتحذير من وقوع الارتداد عند موت الرسول - عليه السّلام - ، وقد وقع ما حذّرهم اللّه منه بعد وفاة الرسول صلى اللّه عليه وسلم إذا ارتد كثير من المسلمين ، وظنّوا اتّباع الرسول مقصورا على حياته ، ثمّ هداهم اللّه بعد ذلك ، فالآية فيها إنباء بالمستقبل . [ 145 ] [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 145 ] وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ( 145 ) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا . جملة معترضة ، والواو اعتراضية . فإن كانت من تتمة الإنكار على هلعهم عند ظنّ موت الرسول ، فالمقصود عموم الأنفس لا خصوص نفس الرسول - عليه السلام - ، وتكون الآية لوما للمسلمين على ذهولهم عن حفظ اللّه رسوله من أن يسلّط عليه أعداؤه ، ومن أن يخترم عمره قبل تبليغ الرسالة . وفي قوله : وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [ المائدة : 67 ] عقب قوله : بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [ المائدة : 67 ] الدالّ على أنّ عصمته من النّاس لأجل تبليغ الشّريعة . فقد ضمن اللّه له الحياة حتّى يبلّغ شرعه ، ويتمّ مراده ، فكيف يظنّون قتله بيد أعدائه ، على أنّه قبل الإعلان بإتمام شرعه ، ألا ترى أنّه لمّا أنزل قوله تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [ المائدة : 3 ] الآية . بكى أبو بكر وعلم أنّ أجل النّبيء صلى اللّه عليه وسلم قد قرب ، وقال : ما كمل شيء إلّا نقص . فالجملة ، على هذا ، في موضع الحال ، والواو واو الحال . وإن كان هذا إنكارا مستأنفا على الّذين فزعوا عند الهزيمة وخافوا الموت ، فالعموم في النفس مقصود أي ما كان ينبغي لكم الخوف وقد علمتم أنّ لكلّ نفس أجلا . وجيء في هذا الحكم بصيغة الجحود للمبالغة في انتفاء أن يكون موت قبل الأجل ،